في العام 1940 ومن غرفة صغيرة بمباني البوستة القديمة بمدينة أمد رمان انطلقت لأول مره الإذاعة السودانية لخدمة الأهداف الإعلامية لجيوش الحلفاء في حربهم ضد دول المحور, وكانت تبث نصف ساعة يوميا على الهواء مباشرة ... والناس حينها لا يعرفون من أجهزة الراديو إلا ما يعد على أصابع اليد الواحدة .... يتحلقون حولها مبهورين بالحدث والتكنولوجيا حينذاك وكادت الانطلاقة تكبح عندما وضعت الحرب أوزارها لولا تدخل المستر ( إيفانس) وحصوله على تصديق ميزانية للإذاعة تتبع لأول مرة لحكومة السودان البريطانية وتظل في خدمة أهدافها حتى الاستقلال , لتبدأ بعد ذلك مشوارا آخر بأهداف أخرى.
يعتبر عبيد عبد النور أول مذيع عين رسميا بالإذاعة في العام 1940 وردد المفردة التي صارت شعارا , بل وسمت الإذاعة ( هنا أمد رمان) وعبيد عبد النور كان مناضلا وطنيا وشاعرا مجيدا وأستاذا لأجيال من المبدعين يكفي أنه صاحب القصيدة الوطنية التي ألهبت الحماس والوجدان وشحذت الهمم لمقاومة الاستعمار ( يا أم الضفاير قودي الرسن.. واهتفي فليحيا الوطن) .
تنقلت الإذاعة في عدد من المقار ففي العام 1942 انتقلت من البوسته إلى منزل الإيجار غرب مدرسة الدايات ... وبدأت تبث على موجه متوسطة (24متر) وبدأت في التوسع الرأسي والأفقي فزادت مساحة البث اليومي إلى ساعة واحدة , لتبلغ في العام 1962م بعد الاستقلال سبع عشرة ساعة يوميا ثم زيدت لتصبح ثماني عشر ساعة وكانت الإذاعة بدأت بموظف واحد واليوم بها أكثر من ثلاثمائة وخمسين عامل. وفي العاشر من يوليو 1969 بدا مشوار آخر عرف بالإذاعات الموجهة فالبداية كانت بتحويل ( ركن الجنوب) من برنامج لا تتعدى بثه 40 دقيقة إلى إذاعة كاملة قائمة بذاتها وتوالت الإذاعات .. إذاعة المغتربين .. البرنامج الإنجليزي .... البرنامج الفرنسي ... إذاعة الوحدة الوطنية ... صوت الأمة ... الإذاعة الموجهة للصومال ... إذاعة القرآن الكريم وإذاعة جوبا وزاد عدد الاستوديوهات كذلك.
ولما كان السودان متعدد الثقافات متباين الأعراق , ثر التراث ووجدت الإذاعة السودانية متسعا إبداعيا كبيرا للتنقل عبر برامجها في مساحات فنية لونتها الاختلافات الجغرافية والاجتماعية . فكانت المحصلة أن صارت ( هنا أمد رمان). والتفت الناس إلى إبداعات فناني أمد رمان. جاء أولا السبعة الكبار كما عرفتهم الأوساط الفنية : إبراهيم الكاشف, حسن عطية, أحمد المصطفى, عبد العزيز محمد داود, عثمان الشفيع, عثمان حسين . عبد الحميد يوسف .... وجاء بعدهم إبراهيم عوض وصارت الإذاعة النافذة الوحيدة التي يطل عبرها الفنان على النجاح , وحتى راهن الزمن من لم يعرف الإذاعة طريقها .
دخلت المرأة ميدان الإذاعة مبكرا فترأست ( خديجة صفوت) غدارة المذيعين وبرزت أسماء مثل ( سكينة عربي) سهام وهيام وليلى المغربي وسعاد أبوعاقلة ومحاسن سيف الدين....وغيرهن من المبدعات , رائدات كن أم معاصرات. وعرف الناس الدراما على نطاق واسع من خلال الإذاعة و ارتبطوا بـ ( تور الجر) و( بت قضيم) و( ابودليبه) وغيرها من الأسماء التي ارتبط بها المستمع وعشق الكوميديا التي تقدمها.
وحفظت الذاكرة أسماء المسلسلات والتمثيليات الشهيرة ( خطوبة سهير ) ( دربكين الليل) ... الكلمة الحلوة .. قطر الهم .... الحراز والمطر ...والدهباية وأبوجاكومه ...
خرج الميكرفون من استوديوهات الإذاعة لأول مرة في العام 1951 وكانت الإذاعات الخارجية محصورة على نقل مباريات كرة القدم وصارت اليوم تجوب كل السودان ..ومن المد راء الذين تعاقبوا على إذاعة أمد رمان وهم : ( مستر فنش دوسون) ( حسين طه زكي _ أول مدير وطني) ( محمود الفكي ) ( محمد عبد الرحمن الخانجي) ( خاطر أبو بكر) ( الصاغ التاج حمد) ( متولي عيد) ( محمد صالح فهمي) ( طه عبد الرحمن) ( محمد العبيد) ( احمد عبد الله العمرابي) ( عبد الواحد عبد الله ) ( التيجاني الطيب) ( محمد خوجلي صالحين) ( محمود أبو العزائم) ( محمد سليمان البشير) ( صالح حمد صالح) ( الخاتم عبد الله) ( حديد السراج) ( صلاح الدين الفاضل) ( عوض جادين) و ( معتصم فضل عبد القادر).
